نزعة تدمير الذات


مقال/تدمير الذات..

للكاتبة/لميس ضيف..

يتساءل البعض دوماً:


لماذا يعمد رجال/ نساء في علاقات زوجية مستقرة ومرضية
للاشتباك في علاقات خارج إطار الزوجية
تهدد سمعتهم وكيان زيجاتهم القائم؟

لماذا يدمن البعض الكحول أو المخدرات
رغم بشاعة تداعياتها على حياته؟

على مستوى آخر لمَ، رغم الحياة البراقة للأثرياء،
تراهم يعيشون حياة درامية قلقه وتنتشر في صفوفهم اضطرابات وانحرافات
أبرزها المثلية والسادية والماسوشنية؟!

ولماذا تصطبغ حياة نجوم هوليوود، التي يتمنى البعض شذرات مما فيها من ثروة وشهرة وبذخ،
بالمآسي والحرمان العاطفي وتسمع أن أيقونات ونجوما
مثل مارلين براندو؛ هيث ليدجر، ايمي واينهاوس،
مايكل جاكسون وجاك نيكلسون وغيرهم ممن تأتيهم الملايين طوعاً
ويتساقط المعجبون عند أقدامهم ينهون حياتهم بالانتحار
أو بجرعة مخدرات مفرطة أو بفضائح تحول حياتهم لجحيم مقيم!!.

إنها نزعة تدمير الذات

إحدى أكبر الأسرار المدفونة في الأعماق السحيقة للنفس البشرية،
نزعة ترونها حولكم كل يوم في الأفراد والمجتمعات؛
نزعة بشرية مكبوتة تفسر لكم تفشي كثير من السلوكيات المرفوضة اجتماعيا وأخلاقيا؛
ولكنها للأسف قلما تعنون باسمها الحقيقي ما يصعب التعامل معها..

كيف يدمر المرء ذاته؟!

حسناً؛ وفقا للباحثين هناك مؤشرات صارخة للنزعة في إيذاء الذات:

الانتحار؛ قطع الجلد أو تسميم البدن؛
سحب الشعر لا شعوريا من جذوره؛ التدخين بشراهة؛
أو إيذاء الجسد بالأكل بإفراط أو التجويع..
وكثيراً ما يصنف إهمال العناية الشخصية
أو تعاطي العقاقير والخمور ضمن التعريف ذاته..


ولكن أشد مظاهر تدمير الذات خطراً هي تلك المتوارية منها؛
والتي تتمثل في تبني الشخص مواقف وسلوكيات ذات تداعيات مؤذية
على حياته وسمعته أو استقراره..
فترى الشخص يرتكب ممارسات يرجح أنها ستؤذيه
أو تدمره في مرحلة ما ولا يتوانى عنها رغم ذلك..
ومن علامات النفس التدميرية أنها تتميز بالغضب المكبوت؛
وبالدوران في فلك تجارب سيئة تضرب جذورها
في مرحلة الطفولة..
وبالتهور والانفعالية والحساسية المفرطة للرفض أو النبذ،
وعادةً ما تحمل شخصية كهذه في أحشائها قلقاً وكآبة مكبوتة؛
تدفعها للمقامرة بحياتها وسعادتها أحياناً؛ من
أجل لا شيء إلا نشوة المغامرة والألم..

في روايته “مقابر مشتعلة” يتحدث الأديب المغربي أحمد لكبيري
عن قصة حب عاصفة تجمع طالباً مغربيا بفرنسية من أصل يهودي
تنتهي بالزواج ويرزقان بطفل.. وفي غمرة سعادته معها
يقرر خيانتها مع أخرى ويسهل لها اكتشافه ما يؤدي لانفصالهما..
فيعود من فرنسا حيث الغربة للمغرب
حيث الاغتراب عن حبيبته وطفله فيلقي بجسده في عوالم سفلية محاولاً الانتحار ببطء..
في أحد مفاصل روايته يقول :
« من يصدق اليوم أن إيزابيل وأنا، أحببنا بعضنا حد الجنون؛
ورزقنا بطفل ثم نفترق،
لأجد نفسي الآن وحيدا أسيرا في نفق مظلم داخل متاهة الذكرى والجنون،
أطل من نفس المكان على خرابي الوشيك؛
أخرج من تحت أسمالي قنيناتي البلاستيكية والزجاجية المملوءة بالماء والكحول والخمر»..

روايته الأنيقة كانت تجسد رحلة تدمير البطل لذاته؛
فبعد أن وجد أن كل همومه انحسرت
وكل آماله تحققت بزواجه من معشوقته سعى لخيانتها
– لسبب لم يجد هو له تفسيراً-
لينتهي الأمر بكل ما بناه؛ إلى زوال!!.

نعتقد أن الرواية تختزل كنه العقدة كما نراها..
فالإنسان يحتاج للمعاناة؛ يحتاج للدمعة كما يحتاج للبسمة..
فإن لم يجدها.. خلقها..